نقف مع إخواننا في فلسطين 🇵🇸 و مع مقاومتهم الباسلة, و النصر للمقاومة و الرحمة للشهداء

تاريخ استيطان العرب بأفريقيا الشمالية

 



بعد إسلام معظم القبائل العربية في جزيرة العرب بدأ الفتح الإسلامي نحو المناطق التي تسيطر عليها الإمبراطوريتين الرومانية و الفارسية, وبعد فتح مصر بدأ فتح المغرب, 
في السطور التالية نروي لكم مراحل استيطان العرب في أفريقيا الشمالية بعد الفتح..

ارسل الملك عبد الملك بن مروان الاموي في اواخر القرن السابع الميلادي جيشاً كبيرا بقيادة حسان بن النعمان، الذي استولى على كثير من الحصون والمعاقل البيزنطية، وفي سنة 695 ميلادية اسقط مدينة قرطاج وضمها الى الامبراطورية الاسلامية الاموية لتبدا بذلك حقبة جديدة.
وبعد عرب الفتح جاءت العديد من البطون العربية بفرعيها القحطانية واليمانية، استقر الكثير من الأشراف الفارين من بطش الحكام في المشرق، نزح العديد من زعماء الخوارج والشيعة واتباعهم بمختلف مذاهبهم، وفي القرن الخامس الهجري دخلت القبائل القيسية العدنانية (ضمت قبائل هوازنية: بني هلال وبني سليم وشجم وسلول ودهمان والمنتفق وربيعة وخفاجة وسعد وكعب وسواءة وكلاب، وقبائل قيسية: فزارة واشجع وعبس وعدوان وفهم، وقبائل مضرية: هذيل و قريش وتميم وعنزة، وحتى قحطانية: كجذام وكندة ومذحج...)، الشيء الذي غير تركيبة شمال افريقيا اثنيا وثقافيا بشكل جذري.


يقول ابن خلدون الذي عاصر اجتياح هذه القبائل للمنطقة، وهو الاعلم بما وقع: 
1 - وأما لهذا العهد وهو آخر المائة الثامنة فقد انقلبت أحوال المغرب الذي نحن شاهدوه وتبدلت بالجملة واعتاض من أجيال البربر أهله على القدم بما طرأ فيه من لدن المائة الخامسة من أجيال العرب بما كسروهم وغلبوهم وانتزعوا منهم عامة الأوطان وشاركوهم فيما بقي من البلدان لملكهم هذا إلى ما نزل بالعمران شرقا وغربا (المقدمة).
2 - واقتسمت العرب بلاد أفريقية سنة ست وأربعين: وكان لزغبة طرابلس وما يليها، ولمرداس بن رياح باجة وما يليها. ثم اقتسموا البلاد ثانية فكان لهلال من تونس إلى الغرب وهم: رياح وزغبة والمعقل وجشم وقرة والأثبج والخلط وسفيان. وتصرم الملك من يد المعز، وتغلب عائذ بن أبي الغيث على مدينة تونس وسباها. وملك أبو مسعود من شيوخهم بونة صلحاً. وعامل المعزّ على خلاص نفسه، وصاهر ببناته ثلاثة من أمراء العرب: فارس بن أبي الغيث وأخاه عائذاً، والفضل بن أبي علي المرادي (تاريخ ابن خلدون )
3 - وغلب الهلاليون قبائل زناتة على جميع الضواحي وأزاحوهم عن الزاب وما إليه من بلاد إفريقية، وانشمر بنو واسين هؤلاء من بني مرين وعبد الواد وتوجين عن الزاب إلى مواطنهم بصحراء المغرب الأوسط من مصاب وجبل راشد إلى ملوية فيكيك. ثم إلى سجلماسة ولاذوا ببني ومانوا وبني يلومي ملوك الضواحي بالمغرب الأوسط، وتفيّؤا ظلّهم واقتسموا ذلك القفر بالمواطن، فكان لبني مرين الناحية الغربية منها قبلة المغرب الأقصى بتيكورارين ودبّروا إلى ملوية وسجلماسة، وبعدوا عن بني يلومي إلا في الأحايين وعند الصريخ، وكان لبني يادين منها الناحية الشرقية قبلة المغرب الأوسط ما بين فيكيك ومديونة إلى جبل راشد ومصاب (تاريخ ابن خلدون). 
4 - وأما بلاد بجاية وقسنطينة فهي دار زواوة وكتامة ومحيسة  وهوارة، وهي اليوم ديار للعرب إلا ممتنع الجبال، وفيها بقاياهم. (تاريخ ابن خلدون). 
5- ومن قبائل هوارة هؤلاء بالمغرب أمم كثيرة في مواطن من أعمال تعرف بهم، وظواعن شاوية تنتجع لمسرحها في نواحيها ، وقد صاروا عبيدا للمغارم في كل ناحية. وذهب ما كان لهم من الاعتزاز والمنعة أيام الفتوحات بسبب الكثرة، وصاروا إلى الافتراق في الأودية بسبب القلة والله مالك الأمور . ( تاريخ ابن خلدون).


وللذين يشككون في تأثير هذه الهجرات على الوضع الديمغرافي في المنطقة اقول، بان دول شمال افريقيا لم يكن يسكنها عشرات الملايين بل مجرد بضع مئات الاف. فقد انتقل تعداد  سكان شمال افريقيا الخمس (المغرب، الجزائر، ليبيا، تونس وموريتانيا) من حوالي مليون نسمة خلال سنوات ما قبل ميلاد المسيح الى ما يقارب ال 6,7 مليون نسمة خلال العصور الوسطى. 
هذا علما بان ساكنة العالم تطورت على الشكل التالي حسب بيانات الامم المتحدة
السنة---------------------------تعداد ساكنة العالم
1000 سنة قبل الميلاد----------- 50 مليون نسمة
سنة 0 ميلادية -----------------300  مليون نسمة
سنة 1000 ميلادية--------------310 مليون نسمة
سنة 1800 ميلادية--------------980 مليون نسمة
سنة 1950 ميلادية--------------2,52 مليار نسمة
سنة 2015 ميلادية---------------7,2 مليار نسمة


وهذا العدد كان يتقلص ب 30 الى 60% عندما كانت تضرب المنطقة المجاعة، الاوبئة (الطاعون، الكوليرا، التيفوئيد، الجدري..)، او تشتعل الحروب والفتن. مثلا، خلال الحروب الغالية التي دامت من 58 قبل الميلاد الى 50 قبل الميلاد، قتل يوليوس قيصر ثلث سكان فرنسا (حوالي مليون شخص) وقام باستعباد ثلث اخر (مليون شخص).


يقول ابن خلدون عن طاعون 1348 المعروف بالطاعون الاسود الذي قضى على اكثر من نصف سكان شمال افريقيا واوروبا:
في منتصف هذه المائة الثامنة من الطاعون الجارف الذي تحيف الأمم وذهب بأهل الجيل وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها فقلص من ظلالها وفل من حدها وأوهن من سلطانها وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أموالها وانتقض عمران الأرض بانتقاض البشر فخربت الأمصار والمصانع ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل وضعفت الدول والقبائل وتبدل الساكن وكأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب لكن على نسبته ومقدار عمرانه وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة والله وارث الأرض ومن عليها.

وقال المؤرخ البرتغالي برناردو رودريغيس الذي كان شاهدا على طاعون 1521 الذي ضرب المغرب:
مع أن عدداً كبيراً من سكان شبه جزيرة أيبيريا ماتوا، فإن ما وقع في إفريقيا بسبب الجوع والوباء كان أكبر بكثير، فقد مات الآلاف منهم، لا سيما في مملكتي فاس ومراكش المجاورتين لنا، لقد اختطف الوباء والجوع أعداداً لا تحصى من الأرواح إلى حد أنه لم يبق من ال 40000 فارس الذين اصطحبهم ملك فاس لمحاصرة أصيلا سوى 3000  فارس بعد أن مات الآخرون مع خيلهم وجمالهم ومواشيهم، وما حدث من معاناة في مدن آسفي وآزمور الذين لم يكونوا قبائل تعوزها حماية سلطة مركزية تنظم أمورها، فقد اضطروا تحت وطأة الجوع الذي خلف الوباء إلى المجيء بأعداد كبيرة ليعرضوا أنفسهم للبيع على أصحاب السفن مقابل اطعامهم، فقد كان الأب يبيع أبناءه والأخ يبيع إخوته وهو ما لم يشاهد مثله من قبل ولم يسمع عنه أحد.

ومثل هذه الكوارث كانت تحل بدول المنطقة كل خمس او عشر سنوات.
الكوارث التي ضربت المغرب خلال 100 سنة قبل احتلاله من فرنسا
من 1799 الى 1800 : الطاعون
1818                      : الطاعون 
من 1816 الى 1822 :     المجاعة بسبب الجفاف
من 1825 الى 1826 :    المجاعة بسبب الجفاف
من 1834 الى 1835 :                          الكوليرا
من 1847 الى 1851 : المجاعة بسبب الجفاف
من 1856 الى 1858 :        الكوليرا والمجاعة
من 1868 الى 1869 :       الكوليرا والتيفوئيد
من 1878 الى 1882 : الجدري والكوليرا والمجاعة
1888 و 1892        :            الجدري
1895                    : الكوليرا
1911                                : الطاعون بدكالة


وفقا لإحصاء قامت به حكومة فيشي سنة 1941، فاق عدد اليهود المغاربة ال 200000 نسمة (حوالي 4% من الساكنة)، رغم انهم لم يأتوا بجيوش ولم يأسسوا دولا،  ورغم انهم تعرضوا للاضطهاد واجبروا على الدخول في الاسلام خلال فترات متفرقة وخاصة اثناء حكم المرينيين والموحدين الذين وصل بهم الامر حتى اخذ اطفال اليهود الذين دخلوا للإسلام بالقوة من ابائهم واعطائهم لأسر مسلمة لضمان تربيتهم وفق التقاليد الاسلامية.  فما بالكم بأعداد شعوب البحر، والفينيقيين، والرومان، والاغريق، والوندال وحلفاؤهم القوط والالان، والعرب.... الذين اجتاحوا المنطقة بجيوش جرارة، وقاموا بسبي النساء والاطفال، ونهب الارض والخيرات، وقتل الارواح..؟؟
لايوجد شعب ولاعرق خالص في شمال افريقيا.. بل يوجد شعوب وامم واعراق متنوعة، فهذه المنطقة شكلت على مر العصور منطقة جذب اتى لها البشر من كل الاتجاهات. 


فيما يلي ما وقع من أحداث بعد قدوم الفتح الإسلامي لشمال أفريقيا:

ابن كثير - البداية والنهاية/الجزء السابع/غزوة الأندلس
لما قصد المسلمون وهم عشرون ألفا إفريقية، وعليهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وفي جيشه عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، صمد إليهم ملك البربر جرجير في عشرين ومائة ألف، وقيل: في مائتي ألف.
فلما تراءى الجمعان أمر جيشه فأحاطوا بالمسلمين هالة، فوقف المسلمون في موقف لم ير أشنع منه، ولا أخوف عليهم منه.
قال عبد الله بن الزبير: فنظرت إلى الملك جرجير من وراء الصفوف، وهو راكب على برذون، وجاريتان تظلانه بريش الطواويس، فذهبت إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح فسألته: أن يبعث معي من يحمي ظهري، وأقصد الملك، فجهز معي جماعة من الشجعان.
قال: فأمر بهم فحموا ظهري، وذهبت حتى خرقت الصفوف إليه - وهم يظنون أني في رسالة إلى الملك - فلما اقتربت منه أحس مني الشر، ففر على برذونه، فلحقته فطعنته برمحي، وذففت عليه بسيفي، وأخذت رأسه فنصبته على رأس الرمح وكبرت.
فلما رأى ذلك البربر فرقوا وفروا كفرار القطا، واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون فغنموا غنائم جمة وأموالا كثيرة، وسبيا عظيما، وذلك ببلد يقال له: سبيطلة -على يومين من القيروان -، فكان هذا أول موقف اشتهر فيه أمر عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وعن أبيه، وأصحابهما أجمعين.

الكامل في التاريخ لابن الاثير
قد ذكرنا عزل عقبة عن إفريقية وعوده إلى الشام، فلما وصل إلى معاوية وعده بإعادته إلى إفريقية، وتوفي معاوية وعقبة بالشام، فاستعمله يزيد على إفريقية في هذه السنة وأرسله إليها، فوصل إلى القيروان مجداً، وقبض أبا المهاجر أميرها وأوثقه في الحديد وترك بالقيروان جنداً مع الذراري والأموال واستخلف بها زهير بن قيس البلوي، وأحضر أولاده، فقال له: إني قد بعت نفسي من الله، عز وجل، فلا أزال أجاهد من كفر بالله. وأوصى بما يفعل بعده.
ثم سار في عسكر عظيم حتى دخل مدينة باغاية، وقد اجتمع بها خلق كثير من الروم، فقاتلوه قتالاً شديداً وانهزموا عنه وقتل فيهم قتلاً ذريعاً وغنم منهم غنائم كثيرة، ودخل المنهزمون المدينة وحاصرهم عقبة. ثم كره المقام عليهم فسار إلى بلاد الزاب، وهي بلاد واسعة فيها عدة مدن وقرى كثيرة، فقصد مدينتها العظمى واسمها أربة، فامتنع بها من هناك من الروم والنصارى، وهرب بعضهم إلى الجبال، فاقتتل المسلمون ومن بالمدينة من النصارى عدة دفعات ثم انهزم النصارى وقتل كثير من فرسانهم، ورحل إلى تاهرت.
فلما بلغ الروم خبره استعانوا بالبربر فأجابوهم ونصروهم، فاجتمعوا في جمع كثير والتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً، واشتد الأمر على المسلمين لكثرة العدو، ثم إن الله تعالى نصرهم فانهزمت الروم والبربر وأخذهم السيف وكثر فيهم القتل وغنم المسلمون أموالهم وسلاحهم.
ثم سار حتى نزل على طنجة فلقيه بطريق من الروم اسمه يليان فأهدى له هدية حسنة ونزل على حكمه، ثم سأله عن الأندلس فعظم الأمر عليه، فسأله عن البربر، فقال: هم كثيرون لا يعلم عددهم إلا الله، وهم بالسوس الأدنى، وهم كفار لم يدخلوا في النصرانية ولهم بأس شديد.
فسار عقبة إليهم نحو السوس الأدنى، وهي مغرب طنجة، فانتهى إلى أوائل البربر، فلقوه في جمع كثير، فقتل فيهم قتلاً ذريعاً وبعث خيله في كل مكان هربوا إليه، وسار هو حتى وصل إلى السوس الأقصى، وقد اجتمع له البربر في عالم لا يحصى، فلقيهم وقاتلهم وهزمهم، وقتل المسلمون فيهم حتى ملوا وغنموا منهم وسبوا سبياً كثيراً، وسار حتى بلغ ماليان ورأى البحر المحيط، فقال: يا رب لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهداً في سبيلك.

الكامل في التاريخ  لابن الاثير
ثم إن عبد الله بن سعد لما ولي أرسل إلى عثمان في غزو إفريقية والاستكثار من الجموع عليها وفتحها، فاستشار عثمان من عنده من الصحابة، فأشار أكثرهم بذلك، فجهز إليه العساكر من المدينة وفيهم جماعة من أعيان الصحابة، منهم عبد الله بن عباس وغيره، فسار بهم عبد الله بن سعد إلى أفريقية. فلما وصلوا إلى برقة لقيهم عقبة بن نافع فيمن معه من المسلمين، وكانوا بها، وساروا إلى طرابلس الغرب فنهبوا من عندها من الروم. وسار نحو إفريقية وبث السرايا في كل ناحية، وكان ملكهم اسمه جرجير، وملكه من طرابلس إلى طنجة، وكان هرقل ملك الروم قد ولاه إفريقية فهو يحمل إليه الخراج كل سنة. فلما بلغه خبر المسلمين تجهز وجمع العساكر وأهل البلاد فبلغ عسكره مائة ألف وعشرين ألف فارس، والتقى هو والمسلمون بمكان بينه وبين مدينة سبيطلة يوم وليلة، وهذه المدينة كانت ذلك الوقت دار الملك، فأقاموا هناك يقتتلون كل يوم، وراسله عبد الله بن سعد يدعوه إلى الإسلام أو الجزية، فامتنع منهما وتكبر عن قبول أحدهما.

وانقطع خبر المسلمين عن عثمان، فسير عبد الله بن الزبير في جماعة إليهم ليأتيه بأخبارهم، فسار مجداً ووصل إليهم وأقام معهم، ولما وصل كثر الصياح والتكبير في المسلمين، فسأل جرجير عن الخبر فقيل قد أتاهم عسكر، ففت ذلك في عضده. ورأى عبد الله بن الزبير قتال المسلمين كل يوم من بكرة إلى الظهر فإذا أذن بالظهر عاد كل فريق إلى خيامه، وشهد القتال من الغد فلم ير ابن أبي سرح معهم، فسأل عنه، فقيل إنه سمع منادي جرجير يقول: من قتل عبد الله بن سعد فله مائة ألف دينار وأزوجه ابنتي، وهو يخاف، فحضر عنده وقال له: تأمر منادياً ينادي: من أتاني برأس جرجير نفلته مائة ألف وزوجته ابنته واستعملته على بلاده. ففعل ذلك، فصار جرجير يخاف أشد من عبد الله.
ثم إن عبد الله بن الزبير قال لعبد الله بن سعد: إن أمرنا يطول مع هؤلاء وهم في أمداد متصلة وبلاد هي لهم ونحن منقطعون عن المسلمين وبلادهم، وقد رأيت أن نترك غداً جماعة صالحة من أبطال المسلمين في خيامهم متأهبين ونقاتل نحن الروم في باقي العسكر إلى أن يضجروا ويملوا، فإذا رجعوا إلى خيامهم ورجع المسلمون ركب من كان في الخيام من المسلمين ولم يهشدوا القتال وهم مستريحون، ونقصدهم على غرة فلعل الله ينصرنا عليهم، فأحضر جماعة من أعيان الصحابة واستشارهم فوافقوه على ذلك.
فلما كان الغد فعل عبد الله ما اتفقوا عليه وأقام جميع شجعان المسلمين في خيامهم وخيولهم عندهم مسرجة، ومضى الباقون فقاتلوا الروم إلى الظهر قتالاً شديداً. فلما أذن بالظهر هم الروم بالانصراف على العادة فلم يمكنهم ابن الزبير وألح عليهم بالقتال حتى أتعبهم ثم عاد عنهم هو والمسلمون، فكل من الطائفتين ألقى سلاحه ووقع تعباً، فعند ذلك أخذ عبد الله بن الزبير من كان مستريحاً من شجعان المسلمين وقصد الروم فلم يشعروا بهم حتى خالطوهم وحملوا حملة رجل واحد وكبروا فلم يتمكن الروم من لبس سلاحهم حتى غشيهم المسلمون وقتل جرجير، قتله ابن الزبير، وانهزم الروم وقتل منهم مقتلة عظيمة وأخذت ابنة الملك جرجير سبية. ونازل عبد الله بن سعد المدينة، فحصرها حتى فتحها ورأى فيها من الأموال ما لم يكن في غيرها، فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار وسهم الراجل ألف دينار.
ولما فتح عبد الله مدينة سبيطلة بث جيوشه في البلاد فبلغت قفصة، فسبوا وغنموا، وسير عسكراً إلى حصن الأجم، وقد احتمى به أهل تلك البلاد، فحصره وفتحه بالأمان فصالحه أهل إفريقيى على ألفي ألف وخمسمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار، ونفل عبد الله بن الزبير ابنة الملك وأرسله إلى عثمان بالبشارة بفتح إفريقية؛ وقيل: إن إبنة الملك وقعت لرجل من الأنصار فأركبها بعيراً وارتجز بها يقول:
يا ابنة جرجيرٍ تمشي عقبتك ... إن عليك بالحجاز ربتك
لتحملن من قباء قربتك

حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن شرحبيل بن أبي عون، عن عبد الله بن هبيرة قال: لما فتح عمرو بن العاص الإسكندرية سار في جنده يريد المغرب، حتى قدم برقة، وهي مدينة أنطابلس. فصالح أهلها على الجزية وهي ثلاثة عشر ألف دينار يبيعون فيها من أبنائهم من أحبوا بيعه.

حدثني بكر بن الهيثم قال: حدثنا عبد الله بن صالح عن سهيل بن عقيل، عن عبد الله بن هبيرة قال: صالح عمرو بن العاص أهل أنطابلس ومدينتها برقة، وهي بين مصر وإفريقية، بعد أن حاصرهم وقاتلهم على الجزية، على أن يبيعوا من أبنائهم من أرادوا في جزيتهم. وكتب لهم بذلك كتابا.
حدثني محمد بن سعيد عن الواقدي عن مسلمة بن سعيد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة قال: كان أهل برقة يبعثون بخراجهم إلى والي مصر من غير أن يأتيهم حاثٌ أو مستحثٌ. فكانوا أخصب قوم بالمغرب، ولم يدخلها فتنة.
قال الواقدي: وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: لولا مالي بالحجاز لنزلت برقة فما أعلم منزلاً أسلم ولا أعزل منها.
حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا عب الله بن صالح عن الليث ابن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب أن عمرو بن العاص كتب في شرطه على أهل لواتة من البربر من أهل برقة: إن عليكم أن تبيعوا أبناءكم ونساءكم فيما عليكم من الجزية .
قال الليث: فلو كانوا عبيداً ما حل ذلك منهم.
وحدثني بكر بن الهيثم قال: حدثنا عبد الله بن صالح عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب أن عمر بن عبد العزيز كتب في اللواتيات أن من كانت عنه لواتية فليخطبها إلى أبيها فليرددها إلى أهلها. قال: ولواتة قرية من البربر كان لهم عهد.





إرسال تعليق

0 تعليقات