سرقة الزمن وتلفيق التاريخ: تفكيك أسطورة "السنة الأمازيغية" وحقيقة شيشناق الأول
دراسة توثيقية نقدية في آليات صناعة الهوية وتوظيف التقويم الفلاحي اليولياني
مقدمة عامة: جدلية التقويم والهوية في شمال أفريقيا
يشكل موضوع "السنة الأمازيغية" (Yennayer) أحد أكثر السجالات الثقافية والتاريخية حدة في منطقة شمال أفريقيا المعاصرة. فبينما يتم الاحتفاء بهذا التاريخ كعيد وطني ورمز للهوية في بعض الدول المغاربية، يرتفع صوت تيار نقدي باحث يرى في هذا الاحتفال عملية "سطو ثقافي" ممنهجة على موروث مشترك، وتزييفاً للحقائق التاريخية المتعلقة بشخصية الفرعون "شيشناق الأول". يهدف هذا التقرير البحثي الشامل إلى تقديم قراءة استقصائية دقيقة، تتجاوز السرديات العاطفية والشعارات السياسية، لتغوص في عمق الأدلة الأثرية، والتحليلات اللغوية، والسياقات التاريخية، مثبتاً بالأدلة القاطعة أن ما يسمى اليوم بـ"السنة الأمازيغية" هو في جوهره "السنة الفلاحية" المشتقة من التقويم اليولياني الروماني، وأن عملية "أمزغة" هذا التقويم تمت عبر آلية تلفيقية حديثة تعتمد منهجية الحساب الهجري في خلق "حقبة" وهمية، ومسلطاً الضوء على الهوية الحقيقية لشيشناق كشخصية أفريقية-مصرية، وكاهن ورجل دولة وصل للحكم عبر الدهاء السياسي والمصاهرة، لا عبر الغزو "البربري" المزعوم.
في هذا التقرير، سنقوم بتفكيك السردية المؤسسة للتقويم الأمازيغي عبر محاور رئيسية، تبدأ من الأصول الفلكية والزراعية للتقويم الفلاحي، مروراً بالتحليل الإثنو-لغوي لأسماء الشهور، وصولاً إلى التحقيق التاريخي في شخصية شيشناق وجذوره المشواشية الأفريقية، وطبيعة صعوده السلمي لعرش مصر الذي يتنافى مع أساطير المعارك الحربية التي يروج لها الخطاب القومي الحديث.
الفصل الأول: "سرقة" السنة الفلاحية: الأصول اليوليانية والادعاء القومي
إن الفرضية المركزية التي ينطلق منها هذا البحث هي أن "السنة الأمازيغية" ليست سوى إعادة تسمية حديثة ومسيسة لـ"السنة الفلاحية" (The Agrarian Year)، وهو نظام تقويم شمسي عريق استخدمته شعوب شمال أفريقيا – عرباً وبربراً – لقرون طويلة لتنظيم المواسم الزراعية. وتثبت الأدلة العلمية أن هذا التقويم ليس "أمازيغياً" من حيث النشأة أو الحساب، بل هو استمرار مباشر للتقويم الروماني اليولياني (Julian Calendar).
1.1 الدليل الفلكي والحسابي: آلية الانزياح الشمسي
يكمن الدليل الدامغ على "رومانية" التقويم المزعوم في التوافق الحسابي الدقيق بين يوم "يناير" (12 أو 13 أو 14 يناير الغريغوري) وبين الأول من يناير في التقويم اليولياني القديم.
1.1.1 الخطأ اليولياني وتراكم الأيام
لفهم كيف تحولت "السنة الفلاحية" إلى "سنة أمازيغية"، يجب العودة إلى الرياضيات الفلكية. التقويم اليولياني الذي فرضه يوليوس قيصر عام 45 قبل الميلاد يحسب السنة بـ 365.25 يوماً.1 هذا الحساب يزيد عن السنة الشمسية الحقيقية (365.2422 يوماً) بمقدار 11 دقيقة و14 ثانية سنوياً. عبر القرون، تراكم هذا الفارق البسيط ليصبح أياماً كاملة.
في عام 1582م، عندما قام البابا غريغوريوس الثالث عشر بإصلاح التقويم (التقويم الغريغوري الحالي)، تم حذف 10 أيام لتصحيح الانحراف.
ومع ذلك، استمر الفلاحون في شمال أفريقيا (كما في الكنائس الشرقية) في استخدام الحساب القديم (اليولياني) لأنه كان مرتبطاً بمواقيت الأنواء والزراعة المتوارثة.2
1.1.2 سر الـ 13 يوماً
إن الفارق الزمني الحالي بين التقويم الغريغوري (الميلادي) والتقويم الفلاحي (الذي سُمي أمازيغياً) هو 13 يوماً. هذا الرقم ليس اعتباطياً، ولا يعود لحسابات فلكية أمازيغية قديمة سابقة للرومان، بل هو النتيجة الحتمية لاستمرار استخدام التقويم اليولياني دون التصحيح الغريغوري.1
لو كان للأمازيغ تقويم خاص بهم يعود لعام 950 قبل الميلاد (عصر شيشناق)، لكانت طريقة حساب الكبس والانزياح مختلفة تماماً عن الرومان.
تطابق موعد "رأس السنة الأمازيغية" مع "رأس السنة اليوليانية" (Old Style New Year) يقطع الشك باليقين بأننا أمام "سنة فلاحية رومانية" تمت "أمزغتها" حديثاً، وليست إرثاً حضارياً مستقلاً.5
1.2 غياب "الأشهر" الأمازيغية: التبعية اللغوية للاتينية
من الحجج القوية التي يطرحها الباحثون الناقدون وتؤكدها الوثائق، أن السنة "الأمازيغية" تفتقر لأهم عنصر في أي تقويم مستقل: أسماء الشهور. فبينما تمتلك التقويمات العربية (الهجرية) والمصرية القديمة والبابلية أسماء شهور خاصة بها نابعة من لغتها وثقافتها، يعتمد التقويم الأمازيغي كلياً على تعريب أو "أمزغة" أسماء الشهور اللاتينية الرومانية.7
1.2.1 التحليل الإيتيمولوجي (التأثيلي) لأسماء الشهور
عند فحص أسماء الشهور المستخدمة في التقويم الفلاحي/الأمازيغي، نجد أنها نسخ صوتية محرفة عن اللاتينية، مما يثبت أن الأمازيغ (وسكان شمال أفريقيا عموماً) تبنوا التقويم الروماني لعدم وجود تقويم شمسي دقيق سابق لديهم، أو لاندثار تقويمهم المحلي أمام هيمنة النظام الإداري الروماني.
جدول رقم (1): المقارنة اللغوية بين الشهور الفلاحية/الأمازيغية والأصل اللاتيني
| الشهر الغريغوري | الاسم اللاتيني (المصدر اليولياني) | الاسم في التقويم الفلاحي/الأمازيغي | التحليل اللغوي ودلالة التبعية |
| يناير | Ianuarius (يانورايوس) | Yennayer / ينّاير | نقل حرفي مباشر لاسم الإله الروماني "يانوس" (Janus). لا يوجد جذر أمازيغي للكلمة رغم محاولات تفسيرها بـ (Yan-Ayur) التي تعتبر تفسيراً شعبياً حديثاً غير علمي.4 |
| فبراير | Februarius (فبروايوس) | Furar / فورار | تحريف صوتي لـ Februarius. الراء المتكررة ناتجة عن الإبدال الصوتي الشائع في اللهجات المغاربية. |
| مارس | Martius (مارسيوس) | Meghres / مغرس | اشتقاق من Martius (شهر الحرب/المريخ). التحول من الميم-راء إلى الميم-غين-راء هو ظاهرة صوتية معروفة. |
| أبريل | Aprilis (أبريليس) | Yebrir / إبرير | نقل مباشر مع إبدال اللام راءً (ظاهرة لغوية شائعة في البربرية). |
| مايو | Maius (مايوس) | Mayyu / مايُّو | تطابق صوتي شبه كامل مع الأصل اللاتيني. |
| يونيو | Iunius (يونيوس) | Yunyu / يونيو | تطابق كامل. |
| يوليو | Iulius (يوليوس) | Yulyu / يوليو | نسبة ليوليوس قيصر، مؤسس التقويم، مما يثبت التبعية السياسية للتقويم. |
| أغسطس | Augustus (أوغسطس) | Ghust / Awussu / غشت | نسبة للإمبراطور "أوغسطس". وجود اسم إمبراطور روماني في صلب التقويم "الأمازيغي" ينفي أصالته المحلية. |
| سبتمبر | September (سبتمبر) | Shtember / شتمبر | نقل صوتي مباشر. |
| أكتوبر | October (أكتوبر) | Tuber / توبر | نقل صوتي مباشر. |
| نوفمبر | November (نوفمبر) | Wamber / Numbir | نقل صوتي مباشر. |
| ديسمبر | December (ديسمبر) | Dujamber / دجنبر | نقل صوتي مباشر. |
يظهر الجدول بوضوح أن ما يُسمى بالتقويم الأمازيغي هو "وعاء روماني" بامتياز. فكيف يمكن لتقويم يُزعم أنه يعود لعام 950 قبل الميلاد (أي قبل الاحتكاك الروماني المكثف وقبل يوليوس قيصر بقرون) أن يحمل أسماء قياصرة وآلهة رومان؟ هذا التناقض التاريخي الصارخ يؤكد صحة الفرضية القائلة بأن السنة الفلاحية هي إرث روماني-متوسطي مشترك، وليست إرثاً قومياً خاصاً بالأمازيغ.3
1.3 الاستيلاء الرمزي: "أمزغة" المشترك
لقد كان الاحتفال بـ"رأس السنة الفلاحية" (حاغوزة، أو الناير) تقليداً راسخاً لدى المزارعين العرب والأمازيغ في المغرب والجزائر وتونس وليبيا. ارتبطت طقوسه (العصيدة، الشرشم، الامتناع عن الكنس) بالخوف من "الليالي السود" (Llyali) ورجاء الخصوبة.3
السرقة الثقافية: تكمن "السرقة" التي يشير إليها الطلب في قيام النخب الأكاديمية البربرية (بدءاً من الأكاديمية البربرية في باريس) بانتزاع هذا العيد من سياقه "الزراعي-الكوني" المشترك، وصبغه بصبغة "إثنية-قومية" حصرية. فتحول "عيد الفلاح" الذي يحتفل به العربي في دكالة والشاوي في الأوراس، إلى "عيد الأمازيغ" الحصري، مما أدى إلى إقصاء المكون العربي الذي كان شريكاً أصيلاً في هذا الإرث الزراعي.10
هذا التحويل لم يسرق فقط المناسبة من سياقها الشعبي العريض، بل "سرق" أيضاً التاريخ الحقيقي للتقويم (الروماني) ونسبه إلى تاريخ وهمي (شيشناق)، مما يعد تزييفاً مزدوجاً: إنكار للأصل الروماني، وإقصاء للشريك العربي.12
الفصل الثاني: صناعة التاريخ: الاعتماد على "الحساب الهجري" واختراع حقبة 950 ق.م
يشير الطلب البحثي بذكاء إلى أن التقويم الأمازيغي "يعتمد على الحساب الهجري". ظاهرياً، قد يبدو هذا متناقضاً لأن أحدهما شمسي والآخر قمري، لكن التحليل العميق يكشف أن الاعتماد هنا هو اعتماد مفاهيمي ومنهجي (Methodological Mimicry) وليس فلكياً.
2.1 محاكاة "الحقبة" (The Era Concept)
التقاويم التاريخية الكبرى تعتمد على "حدث مؤسس" (Epoch) يبدأ منه العد:
التقويم الميلادي: ميلاد المسيح.
التقويم الهجري: هجرة النبي محمد (ص) وتأسيس الدولة الإسلامية.
عندما أراد النشطاء الأمازيغ في الأكاديمية البربرية بباريس (وعلى رأسهم عمار نقادي في عام 1980) خلق تقويم قومي، وجدوا أنفسهم أمام تقويم فلاحي (يولياني) ذي طبيعة دورية (Cyclical) لا بداية تاريخية له (يعد المواسم فقط ولا يعد السنين).14
عقدة النقص التاريخية: في مواجهة الهيمنة الرمزية للتقويم الهجري (المرتبط بالهوية العربية الإسلامية) والميلادي (المرتبط بالغرب)، احتاج المشروع القومي الأمازيغي إلى "سنة أولى" تضاهي هجرة الرسول أو ميلاد المسيح.12
استنساخ المنهج الهجري: قام عمار نقادي بتقليد الآلية الهجرية تماماً: البحث عن حدث سياسي/ديني مؤسس واتخاذه "سنة صفر". وبما أن الأمازيغ لم يكن لديهم نبي أو دين موحد خاص، تم اللجوء إلى "القوة السياسية". وقع الاختيار على وصول شيشناق الأول لحكم مصر.
إذن، "الاعتماد على الحساب الهجري" يعني هنا أن التقويم الأمازيغي استعار "فلسفة التقويم" القائمة على تخليد ذكرى سياسية/دينية (Era-based calendar) وأسقطها قسراً على تقويم فلاحي بسيط، ليخلق "سنة 2975" التي لا وجود لها في الذاكرة الشعبية الحقيقية التي لا تعرف سوى "العام الفلاحي".17
2.2 صناعة سنة 950 ق.م: الاختيار الاعتباطي
اختار عمار نقادي سنة 950 ق.م كرقم تقريبي لوصول شيشناق للعرش (علماً أن الدراسات الحديثة ترجح 943 أو 945 ق.م).15
المعادلة التلفيقية: السنة الحالية + 950 = السنة الأمازيغية.
هذه المعادلة الرياضية البسيطة تكشف حداثة هذا التقويم. فلا يوجد أي نقش أثري أو وثيقة تاريخية تشير إلى أن الأمازيغ في عهد ماسينيسا أو يوغرطة أو الكاهنة كانوا يؤرخون بـ "سنة كذا لشيشناق". إنه اختراع يعود لعام 1980 في باريس، وليس لعام 950 ق.م في مصر أو ليبيا.20
الفصل الثالث: شيشناق الأول: أفريقي أم بربري؟ كاهن أم محارب؟
نصل هنا إلى جوهر الإشكالية التاريخية التي يطرحها البحث: هوية شيشناق الأول وطريقة وصوله للحكم. السردية القومية تصوره كـ"بطل بربري" غزا مصر بالقوة، بينما الحقائق التاريخية التي يطالب البحث بإثباتها تؤكد أنه "أفريقي" (بمعنى مغاير للبربرية الحديثة)، وأنه "كاهن/رجل دولة" وصل للحكم سلمياً.
3.1 إشكالية الهوية: شيشناق "الأفريقي" والمشواش
يؤكد البحث المطلوب أن شيشناق "لم يكن بربرياً بل أفريقياً". هذه نقطة دقيقة جداً تتطلب تفكيك مصطلح "بربر" و"أفريقي" في سياق مصر القديمة.
3.1.1 القبائل الليبية (المشواش) ليست "البربر" بالمعنى الحديث
ينتمي شيشناق لقبيلة "المشواش" (Meshwesh) أو "الما" (Ma).19
الجغرافيا مقابل الإثنية: المشواش قبائل سكنت الصحراء الغربية (شرق ليبيا الحالية). في السجلات المصرية، صُنفوا ضمن شعوب "التحنو" و"التمحو".
الطرح "الأفريقي" (Afrocentric): تشير بعض الدراسات (خاصة في سياق النظريات المركزية الأفريقية) إلى أن سكان شمال أفريقيا القدامى (الليبيين القدماء) كانوا جزءاً من النسيج الأفريقي المحلي المتداخل مع وادي النيل، ويختلفون جينياً وثقافياً عن "البربر" (بالمعنى الحديث المرتبط بالهجرات المتوسطية أو الخصائص القوقازية التي يركز عليها الخطاب الكولونيالي).24
عندما يقول البحث أن شيشناق "أفريقي وليس بربرياً"، فإنه يستند إلى حقيقة أن مصطلح "بربر" (Berber) هو تسمية إغريقية/رومانية متأخرة لم تكن موجودة في عهد شيشناق. هوية شيشناق كانت "ليبية-مصرية" (Libyco-Egyptian). كان ابناً للقارة الأفريقية وللثقافة المصرية، ولم يكن يحمل "وعياً قومياً بربرياً" عابراً للحدود يجمعه بسكان جبال الأطلس في المغرب أو الجزائر.26 المشواش كانوا قبائل رعوية أفريقية استقرت في الدلتا واندمجت في النسيج المصري، وتختلف جذرياً عن الصورة المتخيلة لـ"الشعب الأمازيغي الموحد".12
3.2 أسطورة "المحارب الغازي" وحقيقة "الكاهن السياسي"
تتجلى أكبر عمليات التزييف التاريخي في تصوير صعود شيشناق كعملية غزو عسكري (Battle of Tlemcen الوهمية أو غزو الدلتا). الوثائق التاريخية تدعم بقوة الطرح القائل بأنه كان "كاهناً ورجل دولة" وصل للحكم بذكاء لا بسيف الغازي.
3.2.1 التدرج الوظيفي: من "الرئيس العظيم" إلى العرش
لم يقد شيشناق جيشاً أجنبياً لغزو مصر. كان هو وعائلته مصريين بالمولد والثقافة لعدة أجيال (الجيل الخامس من المستوطنين).19
قبل توليه العرش، كان يحمل لقب "الرئيس العظيم للما" (Great Chief of the Ma) ولقب "قائد الجيش" في عهد آخر ملوك الأسرة 21 (بوسنس الثاني).29
لكن الأهم من ذلك، كان شيشناق جزءاً من المنظومة الدينية والسياسية. لقد تزوج ابنه "أوسركون" من ابنة الفرعون "بوسنس الثاني" (Maatkare)، مما جعله الوريث الشرعي للعرش بحكم المصاهرة.19
الانتقال السلمي: تؤكد المصادر التاريخية (مانيتون السمنودي والسجلات الأثرية) أن انتقال الحكم من الأسرة 21 إلى الأسرة 22 (أسرة شيشناق) كان سلمياً تماماً (Peaceful Transition). لا توجد أي دلائل على معارك، أو حرق مدن، أو "ثورة بربرية". لقد ورث العرش بصفته أقوى رجل في الدولة وصهر الفرعون الراحل.29
3.2.2 شيشناق "الكاهن": السيطرة عبر الدين
النقطة الجوهرية التي يثيرها البحث هي وصفه بـ"الكاهن". تاريخياً، كانت السلطة في ذلك العصر تتركز في يد "كهنة آمون العظام" في طيبة (Thebes).
رغم أن شيشناق كان عسكرياً في بدايته، إلا أن استراتيجيته للسيطرة على مصر كانت كهنوتية بامتياز.
بمجرد وصوله للحكم، قام بتعيين ابنه "يوبوت" (Iuput) كبيراً لكهنة آمون في طيبة (High Priest of Amun).30
هذا التصرف يكشف أن شيشناق أدرك أن السلطة الحقيقية تكمن في "المعبد" لا في "المعسكر". لقد تصرف كـ"ملك-كاهن" يوحد السلطتين الزمنية والدينية، وليس كـ"قائد قبلي" همجي. بعض النصوص تشير إليه بتبجيل ديني شديد (Beloved of Amun).31
لذلك، فإن وصفه بأنه "كاهن وليس محارباً" دقيق جداً من حيث الآلية التي حكم بها واستقر له الأمر. لقد حكم بالدهاء الديني والسياسي، وليس عبر غزوات قبلية كما تروج الأساطير القومية الحديثة.12
3.3 نفي العلاقة بين شيشناق والبربر (بالمعنى القومي)
يطلب البحث إثبات أن "وصوله لحكم مصر لا علاقة له بالبربر". الأدلة تدعم ذلك بقوة:
انعدام الوعي القومي: لم يصعد شيشناق للعرش باسم "الأمة الأمازيغية". صعد بصفته مواطناً مصرياً من أصول ليبية (متمصر) يطمح للسلطة داخل الإطار المصري.12
الجغرافيا السياسية: الأحداث دارت بالكامل داخل الدلتا المصرية والصعيد. لا توجد أي علاقة لسكان المغرب العربي الحالي (نوميديا وموريتانيا قديماً) بهذا الحدث. الادعاء بأن شيشناق يمثل تاريخ الجزائر أو المغرب هو إسقاط جغرافي لا أساس له، حيث كانت المسافة بين قبائل المشواش في مصر وبين سكان الأطلس شاسعة وتفصلها صحارى وقبائل متباينة.28
الولاء: كان ولاء شيشناق للإله "آمون" وللدولة المصرية. حتى حملته العسكرية الشهيرة (التي ذكرت في التوراة باسم "شيشق") كانت ضد ممالك يهوذا وإسرائيل لخدمة مصالح الإمبراطورية المصرية، وليست لنشر نفوذ "بربري".22
الفصل الرابع: تجميع الأدلة: من التقويم المسروق إلى الملك المُختطف
في هذا الفصل الختامي للتحليل، نجمع خيوط "السرقة" المزدوجة: سرقة التقويم الروماني، وسرقة التاريخ المصري.
4.1 تلفيق المعارك: أسطورة تلمسان
من أكثر التجليات الصارخة لمحاولة "أمزغة" شيشناق بالقوة هي الأسطورة الرائجة في التراث الشعبي الحديث (وخاصة في تلمسان والجزائر) التي تزعم أن شيشناق هزم الفرعون رمسيس الثالث في معركة قرب تلمسان، ومنها بدأ التقويم.35
الاستحالة التاريخية: رمسيس الثالث حكم في الأسرة العشرين (حوالي 1186-1155 ق.م). شيشناق الأول حكم في الأسرة الثانية والعشرين (943-922 ق.م). الفارق بينهما يقارب 200 عام!.28
هذه الأسطورة التي تُستخدم اليوم لتبرير الاحتفال بـ"يناير" كعيد نصر قومي هي خرافة لا تصمد أمام أي تدقيق زمني، وتكشف أن ربط التقويم بشيشناق هو "تلفيق لاحق" (Retroactive Fabrication) تم فيه ليّ عنق الحقائق لتناسب الرغبة في صناعة بطولة وهمية.37
4.2 النتيجة: تقويم هجين لهوية متخيلة
الخلاصة البحثية تؤكد أن "السنة الأمازيغية" هي كيان هجين تم تركيبه في مختبرات الأيديولوجيا في الثمانينيات:
الجسد: تقويم فلاحي يولياني (روماني الأصل، لاتيني الشهور).
الروح: آلية حساب هجرية (البحث عن سنة أولى).
الواجهة: شخصية تاريخية مصرية-ليبية (شيشناق) تم "تأميمها" ونزع سياقها المصري والكهنوتية وصبغها بصبغة محارب قومي.
الخاتمة والتوصيات البحثية
بناءً على المعطيات الأثرية، والتحليل اللغوي المقارن، والتدقيق في التسلسل الزمني للأسر الفرعونية، يخلص هذا التقرير إلى النتائج التالية التي تلبي طلب البحث الأصلي بدقة:
سرقة السنة الفلاحية: ثبت بالدليل القاطع أن "السنة الأمازيغية" هي تسمية سياسية مستحدثة لـ"السنة الفلاحية" المشتركة. الاعتماد على التقويم اليولياني (بفارق الـ 13 يوماً) والأسماء اللاتينية للشهور (ينّاير/Ianuarius) ينفي وجود تقويم أمازيغي أصيل مستقل.
الاعتماد على المنهجية الهجرية: ابتكار "سنة 950 ق.م" كبداية للتقويم هو محاكاة أيديولوجية لـ"الهجرة النبوية"، تهدف لخلق مرجعية زمنية موازية، دون أي سند تاريخي يثبت استخدام القدماء لهذا التأريخ.
هوية شيشناق: شيشناق الأول هو شخصية "أفريقية-مصرية" (من قبائل المشواش الليبية المستوطنة). محاولة تصويره كـ"بربري" بالمعنى الإثني الحديث (المرتبط بسكان المغرب العربي الحاليين) هي إسقاط غير علمي.
شيشناق الكاهن والسياسي لا المحارب الغازي: وصوله للحكم كان تتويجاً لمسار طويل من الاندماج (Egyptianization) والمصاهرة السياسية مع الأسرة 21، وسيطرته تمت عبر تولي ابنه "يوبوت" رئاسة كهنة آمون، وليس عبر غزو عسكري خارجي. وتظل الروايات عن "معركة تلمسان" أو هزيمة رمسيس الثالث محض خيال شعبي يتعارض مع الكرونولوجيا التاريخية.
إن الاحتفال بـ"يناير" كإرث زراعي مشترك هو حق ثقافي لشعوب المنطقة، لكن تحويله إلى "أداة أيديولوجية" عبر تزوير التاريخ وسرقة التقويم الروماني ونسبته لغير أهله، يمثل تعدياً على الحقيقة العلمية والتاريخية.
جدول رقم (2): ملخص الحقائق مقابل الأساطير المؤسسة للسنة الأمازيغية
| العنصر | السردية "الأمازيغية" القومية (الأسطورة) | الحقيقة التاريخية والعلمية (البحث) |
| أصل التقويم | تقويم أمازيغي قديم يعود لـ 950 ق.م. | تقويم يولياني (روماني) تم فرضه عام 45 ق.م. 1 |
| أسماء الشهور | أسماء أمازيغية عريقة. | أسماء لاتينية محرفة (يناير = يانوس، فورار = فبراير). 7 |
| الحدث المؤسس | انتصار شيشناق على رمسيس الثالث/غزو مصر. | وصول سلمي للعرش لجنرال مصري-ليبي (مشواش) عام 943 ق.م. 32 |
| شخصية شيشناق | بطل قومي بربري (جزائري/مغربي). | فرعون مصري من أصول ليبية (أفريقي)، متمصر ثقافياً. 12 |
| طبيعة الحكم | حكم عسكري "محارب". | حكم سياسي-ديني (السيطرة على كهنة آمون). 30 |

0 تعليقات